| |
محمد التوم , ويعرفه الناس أيضا باسم " العمدة " والذي عاش ستا وأربعين سنة . كان شريكا وصديقا قديما . كان موجها ومثالا مضيئا كشخص متعايش مع مرض نقص المناعة المكتسب إضافة لدعواه الدؤوب لمساندة حقوق الاخرين من المتعايشين مع مرض الأيدز . لقد كان أول شخص في المنطقة العربية يواجه الناس جميعا بحقيقة إصابته بمرض الأيدز بشجاعة تامة وبلا أي مواربة .
لقد عاش حياة مليئة بالأمل وبعقيدة قوية في مواجهة الوصم والتمييز المصاحب لمرض الأيدز بكل قوة وعزة . لقد واجه مرضه بمنتهي الصمود , مرضا كان يظنه الكثيرون عدوا لا يمكن هزيمته أبدا.
"العمدة", عمل شريكا طوال حياته في برنامج الاستجابة لمرض نقص المناعة المكتسب \ الأيدز في المنطقة العربية " هارباس " . لقد كان لحضوره الدائم وشهاداته الواقعية ومشاركاته في مؤتمر القاهرة للقادة الدينيين الذي انعقد في عام 2004 وقعا حاسما علي المؤتمر الذي اعتبر علامة فارقة في تاريخ المنطقة . عاد محمد الي بلده السودان ومعه الدليلان الإسلامي والمسيحي الذي كتباه القادة الدينيون ليكونا عونا لكثير من المتعايشين مع المرض هناك
"العمدة ""العمدة " , وقف أمام الكاميرات بدون إخفاء لهويته ليعبر عن أمال وأحلام المتعايشين مع مرض نقص المناعة المكتسب . لقد تحولت شهادته هذه إلي جزء هام من برنامج وثائقي تلفزيوني في شكل مسلسلات تحت عنوان " أحب الحياة " . وسيتم عرض هذه الحلقات علي المستوي الإقليمي العربي والتي قد تم اعدادها بالشراكة مع برنامج " هارباس ". لقد كان العمدة أيضا معنا في برنامج ورشة عمل تدريبية للمتعايشين مع مرض الأيدز في تونس في فبراير الماضي لعام 2006 , حيث كنا بجانبه وهو في مرحلة من مراحل صراعه مع مرضه , حيث تم ادخاله إلي المستشفي لمدة ثلاثة أسابيع تصحبه صلوات ودعوات كل المشاركين في ورشه العمل حتي سافر إلي الخرطوم مرة أخري ليكمل صراعه مع ومن أجل المتعايشين مع مرض الأيدز .
"العمدة ", لم يبدأ عمله في برنامج الاستجابة للأيدز بالتأكيد معنا , علي العكس تماما , فلقد انضممنا نحن إليه ومعه الكثيرون من رفقائه الذين قادونا في رحلة التعرف علي مرض الأيدز . ولكن رحيله عن هذه الحياة وقع في فترة وجوده معنا أثناء تواجده في ورشة عمل في السودان مع القادة الدينيين في الفترة ما بين 15-18 نوفمبر لعام 2006 وذلك أثناء إلقائه لواحد من محاضراته .
إن كلماته التي سمعناها جميعا توقفت حيث توقفت ضربات قلبه , ولكن رسالته التي مست قلوبنا جميعا استمرت بلا توقف , وإن كانت كلماته في ورشة العمل انتهت فجأة , فإن سيرته التي أثرت في تجربتنا الروحية والضميرية لم تنتهي ولن تنتهي .
لقد رحل عن عالمنا , ولكنه لم يرحل عنا, فلقد ترك في قلب كل واحد منا جزءا من شجاعته وصراحته وتواضعه وإيمانه الشديد . لقد قدم لنا كل هذا كهدايا نعتز بها وتلك الهدايا لن تغيب عنا أبدا . إنه لواجب علينا أن نعمل علي تثبيت هذه الخصال الرائعة في قلوب أخري , بينما لا تزال أعماله تسري مؤثرة في حياة الأخرين .
لعل هذا الأمل يقهر الظلمة الحالكة التي نشعر بها وتحيط بنا , حيث الحزن علي فراقه يملؤنا , إلا أنه حزن يختلط بالامتنان له , ويملؤه الفخر وكأن العمدة اختار أن يكمل مشواره راحلا من عالمنا هذا في الوقت الذي كان فيه بيننا وذلك ليناولنا مشعل التحدي لنكمل بالنيابة عنه مشواره الذي سجل فيه تاريخ أعماله المشرفة التي لن ننساها .
إننا لن نقول وداعا , ولكننا سنتوجه لك بالشكر , ونسألك أن تدعو لنا حيثما كنت الآن , لنظل مخلصين وأوفياء لما ائتمنتنا عليه , أيها الصديق العزيز الغالي . |