إستطلاع اراء

ما رأيك في التصميم الجديد لموقع هاربس؟
 
رحمة فاعلة مؤثرة
الدليل الإسلامي لمكافحة وباء الأيدز
دليل الخدام المسيحيين في مواجهة الأيدز

البحث

القائمة البريدية



استقبل نشرتنا الشهرية على بريدك الإلكتروني ، اشترك الآن


الحموى: على رجل الدين أن يكون جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

" القاهرة - 10 مايو 2010- أجرى الحوار أحمد بلح: "ينبغى أن يكون رجل الدين جزءاً من الحل، ولا يجوز أبداً أن يكون جزءاً من المشكلة".. هكذا يصور الدكتور علاء الحموي عميد كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، وخطيب مسجد صلاح الدين الأيوبي في سوريا مهمة رجل الدين في التصدى لفيروس الأيدز والتجاوب مع المرض كمشكلة مجتمعية ينبغى على الجميع التصدى لها، فرجل الدين عنده كما هو حال الطبيب ، من الضروري أن يكون صديقاً للمريض عدو للمرض.

ويرى الحموى أن لعلماء الدين الريادة في التصدى للمشكلات المجتمعية بدليل عبء المسئولية التى تحملهم أياها كافة طوائف المجتمع في حال إن هم وقفوا منها موقفاً سلبياً أو حتى حيادياً.

ويؤكد الحموى على ذلك بقوله " عندما تأتى المعلومة الصحيحة لرجل الدين موثقة، مباشرة يبدأ التغيير، وكأنها سكة قطار تتوجه إلى الطريق الصحيح".

ركب الحموى قطار التجاوب الفعال مع قضية الأيدز في الدول العربية منذ إنطلاقته الأولى في العام 2004، فهو عضو باللجنة التوجيهية لشبكة الهيئات الإيمانية لمكافحة الأيدز في الدول العربية ( شهامة )، وهو قبل ذلك خطيب مفوه ومحاضر عالم شارك بتدريب وتأهيل عدد غفير من الأئمة والدعاة حول هذه القضية، ليس في بلده سوريا فقط، وإنما في غالبية الدول العربية.

كرجل دين، متى بدأ اهتمامك بقضية الأيدز في سوريا والوطن العربي، وماذا كان الدافع وراء هذا الإهتمام في وقت كان الأئمة والدعاة يحذرون الحديث في هذا الأمر؟

سبق لى وأن عشت فى سويسرا فى عام 1987، وسمعت هناك بمرض الأيدز، وقتها كنت أعتقد أنه لا يتجاوز حدود البلاد الأوروبية، حتى قدر الله لى الاطلاع على جملة من الحقائق تؤكد على أن هذا المرض لا تحده الجغرافيا، وإنما يمكنه الانتشار فى كل أنحاء العالم. كانت معلوماتي مبدئية غير كافية إلى أن جاء عام 2004، وشاركت فى "إعلان دمشق المبدئي" حول الأيدز الذى نظمه البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) ومن هناك كانت الانطلاقة الأولى لى للانخراط في هذا المجال.

يعاني المتعايشون مع الأيدز في البلدان العربية من الوصم والتمييز اللذين يمارسان ضدهم، ويرى كثيرون أن الخطاب الديني السائد في هذه البلدان ربما يكون أحد أبرز الأسباب التى تقف وراء هذا السلوك لدى عامة الناس، فإلى أي مدى تتفق أو تختلف مع أصحاب هذا الرأي؟

ما فى شك هذا الكلام فيه جانب من الصحة والسبب فى ذلك أن بعض الدعاه يدرس فى معاهد شرعية تخرج قضاة ودعاة، فهو يحمل شخصية القاضى الذى يحاول دائما أن يصف الأحكام وأن يميز الأمور بين الحلال والحرام وما ينبغى وما لا ينبغى. فى حين أن التوجه الشرعى الصحيح لطالب العلم أن يكون طبيباً، داعيا، رحيما، يحاول أن يحذر بما يقع قبل الوقوع، ويحاول أن يأخذ باليد، ويتغاضى بعد الوقوع.

وبالتالي، نحن أمام حالتين: الأولى، قبل الوقوع فى المعصية، الداعية ينبغى عليه أن يحذر، لكن بلطف، بحيث يمتنع ذاتياً وليس خارجيا، و ربما يقع الإنسان وبعد الوقوع يحاول أن يتغاضى عن سبب هذا الوقوع أياً كان، وأن يعود به إلى جادة الحياة والإنتاج فى طريق العمل، فالوصم والتمييز ليس من طبيعة الدين على الإطلاق. لكن بعض طلبة العلم قد يفهم خطأ من زجر الأحكام التى تتضمن التهديد والوعيد، التى ما جاءت إلا لكى تحذر من الوقوع في المعصية حتى تجعل عند الانسان حاجز ما بين الوقوع والرغبة فى الوقوع، لكن ينبغى ألا توجه إلى الشخص بعينه، وإنما توجه كخطاب عام حتى تمنع الإنسان.

بالإضافة إلى أنه عندما ينتشر مرض كالأيدز، هنا يجب أن نتنبه بأن هذا الخطاب انتهى دوره، بما يعنى أن هذا النوع من الخطاب كان مطلوباً عندما كانت الأمور نادرة، أو فى بدايتها كنوع من الوقاية، لكن عندما يصبح الأيدز موجوداً يمكن أخذها في الاعتبار، وأن الوصم والتمييز يؤديان إلى الصمت الذى يمكن أن يوصلنا إلى الإنتشار الأوسع، هنا يجب أن نتوقف عن هذا النوع من الخطاب، وأن نتوجه للنوع الأخر وهو الأخذ بيد هؤلاء، ومد يد العون إليهم حتى لا ينتشر هذا الفيروس بين الأصحاء أيضاً.

وهل يتطلب الأمر صياغة خطاب ديني جديد ينطلق من أرض الواقع، بحيث يمزج ما بين البعد النظري والبعدين العملى التطبيقي والإجتماعي؟

ربنا سبحانه وتعالى يقول: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ"، وهنا معنى اللسان ليس اللغة وإنما الثقافة، هذه الثقافة تتمثل فى فهم الواقع بما يؤدى إلى هذه الحالة من ظروف بيئية وإمكانيات ذاتية، والعالم والداعية هو ذلك الخبير الذى يغوص إلى أعماق الحالة النفسية فيميز ما بين حالة الشاب وحالة الكبير فى السن، ومابين الذى ينشأ فى بيئة يغلب عليها جانب الإلتزام، والبيئة التى يغلب عليها التفلت، هو يعرف معنى الانفتاح الإعلامى وثورة الاتصالات بما تؤدى إليه، بالإضافة إلى بعض تجفيف ينابيع الدعوة فيكون عمله مثل إحداثية تحتوى محور السينات ومحور الصادات وعند التقاطع الصحيح يعطى الجواب الصحيح، طبعا هذه القضية ليست فقط للأيدز وإنما أيضاً لقضايا أخرى كالفقر مثلاً.

بالنسبة لبعض الأمراض الاجتماعية، مثل تأخر سن الزواج، وقضايا كثيرة أخرى، ولنا فى سلفنا الصالح أصدق دليل، وأذكر مثالاً واحداً فقط وهو سيدنا عمر بن الخطاب، الفاروق رضى الله عنه، عندما أوقف سهم المؤلفة قلوبهم رغم وروده فى القرآن، إذن لابد أن نعطى الزمان دوره، وفى عام الرمادة لم يقطع يد السارق لعلمه بأن الناس أصبحوا فى مجاعة وفى فقر عام، ولذلك الرحمة تغلب الأحكام.

لك باع طويل كمحاضر، بالتعاون مع بعض الجهات المعنية بالأيدز، في رفع الوعى بالأيدز في الوطن العربي، ما هو تقييمك لمدى التفاعل والاستجابة من الأئمة والدعاة في هذا الشأن؟

لدينا تصنيف رباعى للعلماء، الصنف الأول هو من تجاوز الستين من عمره، وهذا يغلب عليه الرحمة بحكم السن، ولكن دورنا يكون غالبا مع المرتبة الثانية وهى ما بين الأربعين والستين، والثالثة وهى ما بين الخامسة والعشرين والأربعين، أى بعد التخرج من الجامعة من خلال التدريب. ومن خلال العمل الإكاديمى يكون دورنا مع النصف الرابع وهم طلبة العلم الشرعى، سواء كانوا فى المرحلة الثانوية أو الجامعية.

وبما لا يحتمل الشك فإن شيخونا الذين فى المرتبة الأولى ممن تجاوزا الستين، قد يحملوا فكرة قاسية فى البداية والسبب أنهم ينظرون إلى طهارة المجتمع ولا يتخيلون فى أذهانهم أن مجتمعنا يمكن أن تكون فيه مثل هذه الصور، لكن مجرد أن تقرب إليهم الصورة كاملة، وأن الزمن قد تغير وأن مخاطر جديدة تحيط بالمجتمع، وأننا مالم نتصرف يمكن أن تصبح الصورة أشد قسوة فعندئذ يكون التفاعل ايجابياً فى الغالب. لكن خلال ورشات التدريب، فإن الرتبة الثانية وهم التنفيذيون فى الشارع وأهل الخبرة، وكذلك الفئة الثالثة، هؤلاء فى أول يوم من أيام التدريب تجد منهم صلابة شديدة جداً، رأيت هذا فى كل بلاد الوطن العربى، من المغرب إلى البحرين إلى جيبوتى، لكن بمجرد الاستماع لشهادة أحد المتعايشين أو المتعايشات، تنقلب الأمور بشكل مباشر 180 درجة، حيث يبدأ التنافس حول خدمة هؤلاء، ومساعدتهم، والدعوة إلى خطاب الرحمة، ويبدأ التندم والقول أين كنا حتى وصلتم إلى ما أنتم عليه الآن، هذا بالنسبة إلى ورشات التدريب.

بالنسبة إلى الوضع الأكاديمى كنت أعتقد ومازلت، وازداد توثق من هذه الفكرة أن الأيدز لا يجوز أن يخصص له خطبة مثلا، أو درس خاص على الإطلاق، لأننا لم نعتد أن نصغى لخطاب دينى بهذه الطريقة، ولكن هو جزء من ثقافتى فى طريقة تعليمى وتوجهى، إن كان على المنبر أو فى قاعة الكلية. وبناءً عليه كل ما استطعت أن أستحضر مثالا يتعلق بمتعايش مع فيروس الإيدز وأوصله بموضوع الرحمة، وبموضوع العطاء، وبالمعاني الإنسانية، وبالكرامة، وبالمحبة، وبعموم الخلق، هنا يكون الدور حتى أفتح على هؤلاء الطلبة أو المصلين، ويسألوننى ماذا تقول فى المتعايش مع الأيدز؟ عندئذ أجيبه بالجواب الذى لا شك فيه بأن هذا المتعايش هو إنسان له حق الحياة، له حق الاحترام، له حق الدواء، لا يجوز أن يطرد من عمله، وإذا صعب عليه ما كان عليه من العمل قبل الإصابة فيجب أن نرعى أسرته، ولا يجوز أبدا أن نسىء أبدا إلى أسرته، زوجته، أولاده وهكذا.

إذن عملنا مع الدعاة فى هذه المراتب الأربعة الأول بجلسة لطيفة، وطبعا نصبر لأن هؤلاء يعيشون بطهارة فائقة بأذهانهم وورعهم، المرتبة الثانية والثالثة الخبراء والتنفيذيين من خلال التدريب، والمرتبة الرابعة الأكاديمية التى أعتقد بأنها لا تقل أهمية عن المرتبة الأولى والثانية والثالثة، فأنا أعد معلمى المستقبل، وشيوخ المستقبل، فهؤلاء إذا اقتنعوا بالفكرة غدا سيسهل عليهم ليس فقط العطاء من خلال هذه الفكرة، وإنما قبول فكرة مماثلة لها قد تعرض لهم خلال عملهم المستقبلى .

وهل يتفاوت الأمر من بلد لآخر؟ وما هي البلدان التى تراها قطعت شوطاً جيداً في تأهيل الأئمة والدعاة في التعاطي مع هذه المشكلات الحياتية؟

على مستوى القادة الدينيين، وأنا أتعمد هذا اللفظ لسببين: أولاً لأنه من القيادة والريادة، وفيه دلالة المبادرة، ثانياً لأننا عندما نذهب لأى من بلادنا العربية، فنحن نلتقى مع ريادة الإيمان سواء كانوا من رجال الدين المسيحى أو الإسلامى، أو من أى طيف.

القادة الدينيون يتصرفون بأوسع ما يمكنهم من قدرات متاحة، فلو كان فى ذلك البلد إمكانية إنشاء جمعيات للمتعايشيين دون أن تتسبب في وصمهم، سيتولون إنشاء جمعيات، وإن كان فى هذه البلدان إمكانية لإيصال الدواء للمتعايشين سيبادرون لإيصال الدواء، وأقل الأدوار التى يتولون القيام بها فى حال عدم وجود إمكانيات هو ذلك الخطاب الدينى الذى يتضمن الرحمة والمحبة والاحسان للإنسان أيا كان، بمن فيهم المتعايشون مع الأيدز.

ماهي الصفات المرجوة في داعية هذا العصر؟ وهل هناك تأثير للمدرسة الفكرية التى ينتمى إليها أو الفصيل الديني الخاص به على مدى تجاوبه مع قضايا حياتية ومجتمعية من هذا النوع؟

لابد من نقطتين: الأولى هو أن العالم يولد بين العلماء لا من بطون الكتب، فالكتاب ماعدا القرآن الكريم ميت، والعالم حياته، العالم هو الذى يعيد للكتاب ارتباطه بالزمان والمكان، لذلك المدارس العلمية تختلف، فبعض المدارس تخرج للمجتمع أطباء قادرون على العمل والعطاء، والبعض الأخر يحتاج إلى تهذيب النتوءات التى فهمها من الأحكام وهى ليست من الأحكام فى شىء، النقطة الثانية يجب أن يكون طالب العلم جزء من الحل ولايجوز أبداً أن يكون جزءاً من المشكلة.

ماذا تقصد؟

أهل التشريع، أو متخذو القرارات السياسية، أو حتى خبراء الصحة، أو الإعلاميون، هذه الجهات الأربعة تختبأ وراء ظهور القادة الدينيين، ويقولون ( والله لا نستطيع، والله نخشى ردة فعل القادة الدينيين) ولذلك نحن حقيقة نملك الريادة، فلا يجوز أبداً أن نكون جزءاً من المشكلة، ليس هذا وهماً كما هو فى أذهان الناس، فضلا عن أن يكون محققاً، نحن نفتح على أهل التشريعات بأن نقول لهم بما فى ديننا من رحمة، وكيف يمكن لهم أن يقتبسوا من هذه الرحمة تشريعات تخص المتعايشين، أن نقول لأهل السياسة نعم بإمكانكم أن تشرعوا وأن تصدروا قراراتكم التى تسهم فى ذلك كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - وكما أمر القرآن من خلال الاحتواء الكامل للمجتمع، وكذلك نقول للجهتين الاعلامية والصحية بأن الإنسان له حقوق، لذلك لا يجوز أبداً أن نتخلى عنه أو أن نسىء معاملته أو أن نصوره تصويراً سيئاً، ولذلك أعتقد أن للقادة الدينيين دور الريادة، حتى بين هذه الجهات الأربعة الفاعلة فى المجتمع، فإذا كان دوره بناءًا استطاع أن يكمل هذه الدائرة الاجتماعية البناءة الفاعلة، وللأسف طبعا إذا كان دوره غير ذلك أو اكتفى بالحياد، سوف يختبأ هؤلاء الأربعة وراء ظهره، وسيحملونه المسئولية.

أشرت إلى إمكانية إنشاء جمعيات ترعى المتعايشين مع الإيدز، نسمع أيضاً آراء لعلماء دين آخرين يعتبرون ذلك نوعاً من نشر الرزيلة أو الاعتراف بها؟ ما هو تعليقك؟

الأمر ينبنى على فقرتين: الأولى، طبعا نحن لا نعمم هذا الحكم بإنشاء جمعيات فى بعض البلاد ذات العدد القليل من المتعايشين، قد يعد إنشاء جمعية من التمييز والوصم لهم، والأولى أن يندمجوا مع بقية أفراد المجتمع، لكن إذا كثرت أعداد المتعايشين، لاشك فإن هذه الجمعية يمكن لها أن تؤدى أدوار اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، ودينية أيضاً.

لا شك يجب أن يكون هذا، أما بالنسبة للنقطة الثانية، فلا أعتقد إطلاقاً بأننا نشجع على الرزيلة، نحن لنا خطاب واضح " وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشة "، ولا أحد يستطيع أن يتجاوز ذلك إلا إذا كان يريد أن يخرج وراء النص، لكن أنا أمامى واقع، ولذلك كما ذكرت سابقا، العالم أمامه إحداثية يجب عند تقاطعها أن يفعل فإذا لم أجد هناك ظروفا تغلب الإنسان فأنا سيكون لى موقف منه، لكن عندما أجد ظروف غالبة وهو يعلم بأننى لن أشجعه على الفاحشة، ولكن لا يجوز أن أتخلى عنه.

لا يجوز أن أتخلى عن الإنسان الذى يرغب ولكنه يمتنع، يجب دائما أن أدعم إيمانه لأن السيارة بلا وقود لا تسير، فأنا بحاجة إلى أن أدعم إيمانه، حتى مع وقوعه فى المعصية، وهو الآن يرتكب المعصية، لكنه يأتى المسجد، فأنا يجب أن أعينه على نفسه، وهذه قاعدة واضحة عند الأطباء بأننى صديق المريض عدو المرض، فنحن إثنان على واحد، وليس العكس، أما بعد الوقوع فيجب أن لا أجعل للشيطان عليه سبيلا بأنك وقعت وخلاص وانتهت الأمور، بل أن أعيد إليه الصحة الإيمانية، وأن أقول له باب التوبة مفتوح، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

بالنسبة إليك كداعية، كيف كانت البدايات.. ماهي حجم العقبات التى واجهتك أثناء القيام بهذا الدور الضروري والمؤثر في صميم الحياة الإجتماعية لنا كعرب؟

لو عدت إلى البدايات، البداية الفعلية كانت فى 2004، لكن أنا سمعت بفيروس الأيدز من 87، وكنت فى جنيف، أَدِرس التحضير للسوربون، كنت أُدَرِس فى المركز الإسلامى هناك، فبلغنى هذا، لكن ما كنت أتوقع أبدا أن يصبح هذا الفيروس قريب من الإنسان حتى لو كان مصلياً، ولذلك عندما عرضت علينا الورشات فى عام 2004 أقبلت عليها بشغف، وأقبلت عليها بفهم دقيق علمى لمعرفة ما ينقل الفيروس وما لا ينقله حتى أتعامل مع هذا الموضوع بشكل دقيق جدا.

أذكر أننى كنت أول من بادر إلى مصافحة المتعايش، فى عام 2004، فى دمشق، أردت أن أعبر عن القبول بأن قمت إليه أصافحه، وقد عرفت أن المصافحة لا تنقل الاصابة، وفؤجئت بالمشرف على التدريب أن يقول وعانقه فعانقته، وبعد ذلك أصبحت هذه القضية قضية رحمة ومحبة للإنسان الذى صنعه الله سبحانه وتعالى. لما عرفت في نفسى التغير والتبدل نحو الأفضل آليت على نفسى أن أتمكن أكثر من التدريب ثم أتحول إلى مدرب، وهذا ما فعلته فكنت مستشاراً لهذا البرنامج خلال السنوات الأربع السابقة، ودربت عدداً كبيراً من القادة الدينيين من أقصى البلدان العربية إلى أقصاها.

لكن ما هى العقبات اللى قابلتك فى المجتمع كرجل دين، فعلى غير العادة آنذاك أن يتخذ رجل الدين موقف إيجابي من هذا النوع، ربما كانت لديك الخلفية والمعرفة المسبقة بالمرض وقت أن كنت فى أوروبا، ولديك الوعي بوجود أخطاء شائعة عنه، لكن بقية الدعاة وضعهم كان ما زال على حاله، بذات النظرة، وبالتالى ألم تخف أنت كقائد دينى من ردة فعل مجتمعية سلبية؟

لا على الإطلاق، بل على العكس ما آلمنى كان موقف الأطباء الذين لم يقتنعوا بأن علماء الدين يمكن أن يساعدوا وقائياً وعلاجياً، هذا أكثر ما ألمنى بصراحة. كم حاولت أن نصل لهؤلاء المتعايشين حتى نساعدهم، ننظر إلى أحوال الأسر التى يعيشون فيها إذا كانت لديهم أية مشكلات مع رب العمل نساعدهم فيها.

بالطبع، أنا لا أعمم لكن أغلب هؤلاء ينظرون إلى المتعايشين نظرة دونية، رغم أنهم أطباء، والطبيب لا ينبغى أبدا أن يفعل هذا، بل وكل أطياف المجتمع، لكن الطبيب بحكم العلم له وضع خاص، "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ".

أود أن أضيف أن علماء الدين لديهم ميزة التفاعل مع الأشياء بإيجابية بمجرد وصول المعلومة الصحيحة إليهم، مباشرة يتفاعلوا معها، ولذلك أعذر كل قائد دينى لم تصله المعلومة الصحيحة، وأنا لدى أربع سنوات تجارب أستطيع أن أؤيد وجهة نظري هذه بمئات الأمثلة، عندما تأتى المعلومة الصحيحة موثقة، مباشرة يبدأ التغيير، وكأنها سكة قطار تتوجه إلى الطريق الصحيح.

على المستوى المحلى، لم أجد عقبة، بالعكس، كانت ميزة بين أقرانى، ميزة بين المصلين الذين أكرمنى الله بخدمتهم أن شيخنا لديه هذا الانفتاح، لأن كل إنسان عندما يتخيل أن ولده أو هو من أصيب سيكون فى حالة من الرحمة والمحبة لا يمكن أن يعادلها شىء.

وعلى مستوى عملى فى الأوقاف، لم يكن هناك عقبات، لكن بالعكس، قد يشار إلىّ بالتدريب والمساعدة فى هذا الموضوع، بعض أقرانى عندما تكون المعلومة لديهم ناقصة أو خاطئة يأتون إلى ليستفسروا، ومباشرة أول ما يعرفوا يكادوا أن يغبطوا هذا الإنسان على وصول المعلومة إليه مسبقاً وعلى اندماجها فى فكره الدينى من خلال خطابه وتعليمه وتوجيهه لمن حوله.

العقبة الأساسية كانت وما تزال فى فهم القائمين على برامج الأيدز الوطنية فى كثير من البلاد العربية لدور القائد الدينى فى التخفيف من انتشار الفيروس، والوقاية منه، ومواجهته.

إلى أي مدى ترى ارتباط الأيدز بغيره من القضايا والظواهر الإجتماعية داخل أي بلد؟

نحن فى زمن تعقدت فيه الأمور، فهناك قضايا كثيرة تصب فى نهايتها إلى الاصابة بفيروس الأيدز وعلى رأسها الفراغ والبطالة، الفقر الإجبارى، كل هذه الأسباب مجتمعة وفي مقدمتها أيضا تفكك الأسرة. أنا أذكر تماما عندما كنت فى إحدى المؤتمرات وكنت أتحدث عن الأسرة وأذكر مصدرها اللغوى وأنها من السوار، وكما يحيط السوار بالمعصم، كذلك الأسرة تحيط بأفرادها، قامت إمرأة متعايشة مع الفيروس من إحدى البلاد العربية واقبلت على بشدة وقالت: " صدقت يا شيخ والله لو كنت أعيش بأسرة لما أصبت ووصلت إلى ما وصلت إليه، مما لا شك فيه بأن هناك أشياء كثيرة تنحو نحو هذا المنحى، بحيث قد تكون سبباً من أسباب الإصابة بالأيدز، ومن ذلك منها عدم الوصول إلى مؤسسة الزواج بالثقافة الصحيحة، أنا لا أدعو إلى تخفيف المهور بمقدار ما أدعو إلى مصداقية المهر، لا أدعو إلى تبكير سن الزواج بمقدار ما أدعو إلى تثقيف الشاب والفتاة فى السن الذى إذا تأهلوا به أصبحوا جاهزين للزواج. وأنا لا أدعو المجتمع إلى أن يساعد فى التزويج وتخفيف التكاليف بمقدار ما أدعو المجتمع إلى أن يكون ذلك البديل. أنا هنا أذكر مشروعاً صغيراً أقوم به فى جامعى "جامع صلاح الدين" نقوم من خلاله بعقد علاقة ما بين عروسين وما بين زوجين مضى على زواجهما أكثر من 10 سنوات، الرجل يعطى هاتفه للشاب، والمرأة تعطى هاتفها للفتاة، فتصبح هذه الأسرة البديلة كالمرجع لهذه الأسرة الجديدة. ولقد أعلنا فى المسجد أنه من مضى على زواجه أكثر من 10 سنوات وهو يعتقد أنه نجح في زواجه، فليبادر ليشكر الله على هذا النجاح بخدمة عروسين جديدين في بداية حياتهما. كانت تجربة رائعة جدا، لأنه أحيانا كثير من الأزواج لا يستطيع أن يرجع إلى والديه لكن يستطيع أن يرجع إلى مثل هذه الأسر المباركة التى لا تمتد إليه بقرابة، لكن تمتد إليه بصلة خبرة، ولعل أحيانا بعض الزيجات الحديثة ممكن أن تفسد العلاقة لسبب عابر عندما، لكن عندما يراجعوا أهل الخبرة تستمر الحياة وتكون التجارب ناجحة وليست فاشلة.

وإلى أى مدى نجحت هذه التجربة؟

الحمد لله إلى الآن كل الأمثلة رائعة جدا وتشعر بالعائلة الخبيرة التى أسميناها خبيرة، ومضى على زواجها 10 سنوات، والعائلة الخبيرة تشعر بالإمتنان لأنها تشكر الله ) سبحانه وتعالى ) وتعطى بحب، والعائلة الحديثة (العروسان) يشعران بأنهما أقوياء، ولديهما ثقة في نفسيهما حيث لكل واحد منهم مرجع يستطيع أن يرجع إليه فى أى سؤال أو طلب.

أنت أحد الناشطين في شبكة شهامة، إلى أى مدى كانت الاستفادة من برامج الشبكة المعنية بالتدريب وبناء قدرات القادة الدينيين للتجاوب مع القضايا المجتمعية؟ وماذا ترى من واجبات على الشبكة أن تقوم بها في المرحلة التالية؟

أضرب مثال بإنسان يسافر إلى بلد لا يحسن لغتهم، مرض الخرس صعب، أن توجد بين أشخاص لا تحسن لغتهم هذا نوع من البكم الذى يصيب الإنسان بالقهر، وأنا لا أقصد لغة اللسان الذى تعلمها الإنسان فى أى معهد أو فى أى كلية لكن أقصد لغة المعاملة فى الحقيقة، أكثر ما أشكر الله عليه ثم أشكر القائمين على برامج شهامة والتى تعلمنا منها الكثير أنهم أعطونا مفاتيح لغة التواصل مع الناس، فكانت هذه البدايات. حاولنا أن نرمم الباقى بأنفسنا، كان من الصعب جدا أن تقف أمام شاب يشكو إليك وأنت لا تملك إلا ان تدعو له، لكن هذا الشاب يريد منك أكثر من الدعاء، يريد منك أن تعيش إحساسه وشعوره وتتفهم أسباب ما أوصله إلى ما هو فيه، وأن تأخذ بيده، وأن لا تنظر إليه نظرة دونية، بالعكس يطالبك بالاحترام والانتماء والمحبة. التمارين الرياضية التى تدربنا عليها بالإضافة إلى التدريبات الأخرى كصورة النفس مثلا، وإطار ويلبر وليكرت، وكل هذه القضايا، كل هذه التدريبات كان لها أثر كبير جداً فى بلورة الشخصية التى كانت راغبة بأن تستفيد وأن تستزيد، بحيث أصبحنا نملك مهارة الوصول إلى الناس، كما هو شأن الطبيب الخبير بعد أن يتعلم ثقافة الخبرة بمجرد أن ينظر إلى المريض وكأنه أصاب 70% من كشفه للمرض ثم بعد ذلك يتحقق، هذا ما استفدناه من التدريبات التى لن أنسى الفضل فى تعلمها والتى آثرت بدءًا من الخطاب الدينى إلى طبيعة حياتى وسلوكى مع الناس، والأهم من ذلك، بوصفى عميد لكلية شرعية فى تأثيرى على طلابى بالمواد التى أدرسها وعلى رأسها مادة الدراسات العليا، مناهج الدعوة وأساليبها.

ولكن ما هو الدور المنوط بشبكة شهامة القيام به بعد رصيد 7 سنوات من التجربة؟

بالإضافة إلى توسيع دائرة القادة الدينيين، وتعميق هذا الدور فى الأجيال، نحن أصبحنا من الرتبة الثانية، ولكن يجب أن نؤثر فى الجيلين الثالث والرابع كما صنفتهما قبل قليل، بالاضافة إلى هذا الدور فى التوسيع عليها أيضا أن تتبنى المشاريع، وهذه المشاريع تحتاج منا إلى أربع محاور:

المحور الأول: المكافأة، والمكافأة ليس بالضرورة أن تكون مادية ممكن أن تكون معنوية، على الأقل أن تنشر هذا الخير الذى جرى على يد هؤلاء القادة الدينيين كما حصل فى المغرب مثلاً، عندما استطاعوا أن يصلوا إلى تدريب معظم الأئمة، فهذا مما يشجع

الأمر الثانى: هو المتابعة، متابعة أعمال الشبكة إلى أين وصلت، ماذا فعلت فى بلدكم، ما هى الأمور التى تحتاجونها

الأمر الثالث: ديمومة العطاء، يعنى هناك متابعة لما مضى لكن الآن نريد الاستزادة، بحيث نأخذ مثالاً بلد ما يكثر فيه الإصابة بسبب تعاطي المخدرات بالحقن، لابد من تسليط الضوء على المخدرات، فى البلد الآخر نسلط الضوء على أسباب أخرى تبرز عن غيرها، إذن متابعة علمية وهناك متابعة للمشاريع.

الأمر الرابع: لن أقول محاسبة، لكن هى أشبه ما تكون بالمحاسبة، أو نلطف العبارة نقول معاتبة، فلا يجوز أبدا لولدنا أن يبقى فى سنة واحدة فى الكلية، سنتان و ثلاثة و أربعة سنوات، أنت خلال أربع سنوات يمكن أن تتخرج وتفسح المكان لغيرك، فإذا مضى هذا الوقت فلابد إذا من هذا التصور بأننا نتبنى مشروعاً ونصرف فيه من الوقت والجهد والمال بحيث ننتظر حصاده.

تقصد أن تنتقل شبكة شهامة لمرحلة أخرى من العمل؟

بما لا يحتمل الشك، لأن ما لا ينمو فهو الميت، نريد أن يكون هناك نماء، تطور على المستوى الاجتماعى، وعلى المستوى الدينى مثلا، كإصدار دليل الفتاوى، مثل الذى استطعنا أن نجمعه من خلال زياراتنا مثلا لجنوب أفريقيا ضمن أعمال مؤتمر "الإسلام والأيدز" فى نهاية 2007.

كان لأعضاء شهامة الدور الأكبر من خلال التجربة والواقع، فلم تكن فتاوى نظرية وإنما كانت أقرب إلى الواقع.

كم أفخر ولله الحمد عندنا دعيت إلى جلسة خاصة بـ"البرلمانيين العرب" فى دمشق، وإذ بهم يفاجأوا بعالم دين إسلامى وآخر مسيحى ينطقان بهذه القضايا، صدموا بصراحة، وعندئذ كما يقال سقط فى أيديهم وحصل التحول.

الأوضاع التى تعيشها المرأة العربية في غالبية البلدان العربية ربما تكون بيئة ملائمة لانتشار الأيدز، خاصة مع تفشى الفقر وضياع الكثير من الحقوق التى أقرتها الأديان السماوية، وفي مقدمتها الدين الاسلامي، ما هو تعيقك، وكيف يمكن توفير بيئة آمنة للنساء العرب تحمهين من أن يقعن تحت وطأة ظروف الحياة وبالتالي أن يصبحن عرضة لإصابات الأيدز؟

المرأة عملياً هى الجزء الحيوى فى المجتمعات، ومنها تنبع الثقافة كأم، وعندما تصب الثقافة كزوجة أو كبنت، فهى لها دور بارز وحيوى ، لكن من حيث الواقع نجد ان هذه المرأة لم تأخذ حقها الكامل.

لا أريد أن أتحدث نظرياً وأذكر من الأدلة التى حرص بها الإسلام والنبى عليه الصلاة والسلام على اعطاء المرأة حقها، لكن نحن أمام تطبيق واقعى، هذا التطبيق خطير ومؤلم، ويأخذ بأيدينا لواقع فيه صور متعددة من الظلم أحيانا بسبب فهم خاطىء للدين، وأحيانا بسبب عرف وعادة تخالف نص واضح فى الدين، وأحيانا المرأة يكون لها دور لأنها اعتادت على هذه الطريقة من الثقافة، وأحيانا لا تملك من الأمر شيئا، ضعيفة، طبعا لا أنتظر حتى تصرخ المرأة فى أسماعنا لأنه عند ذلك الوقت لن يفيد العلاج، وأنا صاحب نظرية "الوجوب الطوعى" الذى ينبع من الذات. أنا شخصياً ، أعتقد أن الدين كله قائم على الوجوب الطوعى، لا إكراه فى الدين، الصلاة ممكن يؤذن لها ولا تصلى، ويمكن للإنسان أن يفطر فى رمضان، أنت الذى تمتنع لا أحد يجبرك على الامتناع. أعود إلى طبيعة المرأة، المرأة هى ذلك الجزء المؤثر، وأنا أشكر الله سبحانه وتعالى أن أنطق بهذه الحقيقة بأن ثلثى عدد المنتسبين إلى التعليم الدينى فى بلادنا هم من النساء، لا أقول فى بلادنا يعنى سوريا، لكن فى البلاد العربية عموماً، والسبب فى ذلك التفرغ، لذلك نفخر أننا نعلم هذا العدد الكبير من النساء حتى تقوم المرأة بدورها فى بيتها، فى مجتمعها معلمة، مربية، بكل أبعاد ما تستطيع أن تفعله. النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يقول "النساء شقائق الرجال" ولذلك نحن ننادى بالصيغة الأسرية ، لا نحب أن نتحدث عن دور المرأة، دور الرجل، فالصيغة الأسرية صيغة تكاملية، تعاونية، فالابن السليم السوى هو الذى ينشأ بين والدين متناغمين، للوالد دوره وللأم دورها، وكذلك الحياة تحتاج إلى أن يأخذ الرجل دوره بشكل صحيح، طبعا دوره فى تحمل المسئولية وهذا ليس فيه رفعه لأحد على أحد، وكذلك المرأة تأخذ دورها فى تحمل المسئولية، وبهاتين المسئوليتين نستطيع أن نوجد أشخاص أسوياء للمجتمع، فالمرأة اليوم تحتاج منا إلى ثقافة ذاتية بأن تتوازن بين الثقة وأداء ما عليها، يعنى هى واثقة بنفسها وبذلك تؤدى ما عليها لتأخذ ما لها، والدور الأخر هو أن نخاطب المجتمع بكل أطيافه بدءاً من الجد وانتهاءً بالحفيد ومروراً بالأخوة من الذكور والإناث إلى وضع الشىء فى موضعه، هذه المرأة هى إنسان كرمه الله سبحانه وتعالى، هى أمى التى أحترمها و أحبها، هى زوجتى التى أحبها وأحترمها، هى ابنتى التى أحبها أيضا، ولذلك لا يجوز أبداً أن تظلم، ودور المجتمع كاملاً برفع الظلم عن المرأة سواء كان هذا الظلم بسبب فهم خاطىء أو بسبب عرف مرفوض.

أخيراً: تعتمد الشبكة على الجمع ما بين قادة الدين المسحيين والمسلمين، فكيف كان مستوى التعاون والتكامل بينك وبين أقرانك من القادة الدينيين المسيحيين فى سوريا لإقامة الأنشطة المشتركة فيما بينكم، وما هى أبرز النماذج والأمثلة على ذلك؟

من الأمور التى استفتدها من شبكة شهامة وهو ما انعكس على حياتى كرجل دين، هو أننى أحضر كثيراً من مؤتمرات التقارب والتعاون، والمؤتمرات الدينية على مستوى الديانات والشرائع أو على مستوى المذاهب فوصلت إلى قناعة يقينية لا شك فيها، وهى أن الفرقاء أو الأطياف أو الأطراف إذا اجتمعت على أمر ثالث اجتمعت قلوبهم، يعنى عندما نريد أن نفتح حواراً إسلامياً مسيحياً لن تكون هناك نتيجة أكثر من لقاء أجساد، والقلوب لن تلتقى بصراحة، والأفكار لن تتهذب إلا طبعا فى المجالس العلمية المتخصصة وما أندرها، وهى مجالس علمية تبحث الحقائق على ما هى عليه، بحيث يدخل الإنسان إليها حيادياً ويضع الأمور فى نصابها، لكن عندما يجتمع سنة وشيعة، مسلمين ومسيحين، أو أى طرف، حتى مع غير المسلمين، حتى مع الأطياف العلمانية، عندما نجتمع على أمر ثالث، كمحاربة الفقر، كرفع الظلم عن المرأة، كإتاحة فرص أكثر للعمل للشباب، مباشرة تجد التنافس بما يوحد القلوب، ويقارب بين الأفكار ويجعل الإنسان بعمامته أو قلنسوته أو ما يلبس على رأسه مسارعاً إلى مشاركة أخيه، وهذا ما رأيناه فى موضوع مواجهة الأيدز.

وعلى سبيل المثال: شرفت بأن أدُعى أنا وأخى الأب إيليان، والأب إيليان من الكنيسة الأرذوكسية فى دمشق، وهو من خيرة العاملين فى الكنيسة بإخلاصه ومودته، دعينا معاً لإلقاء برنامج وقائى فى مواجهة الأيدز فى المدارس الثانوية فى دمشق وفى غير دمشق. جاءت الدعوة من مديرية التربية، فكان ما يؤثر فى الناس أكثر من الحديث هو رؤية الشيخ مع راعى الكنيسة، ولم يفاجئوا من دخولنا مع بعضنا البعض، لكن فوجئوا من محبتنا وتناغمنا، الجميع يرونها صورة رائعة جداً، الشيخ يعطى الدور لراعى الكنيسة، وراعى الكنيسة يعطى الدور للشيخ، والمحبة كاملة، وبصدق وبدون تمثيل، حتى أزيد على ذلك بأن هذه الصورة أثرت على قيادتنا الدينية من الصف الأول.

أذكر عندما كنا نقابل المطران فيقول لى أنا أعرفك من خلال الأب إيليان، من خلال الأب طاهر، من خلال الأب طونى، يذكرون عنك، وسمعت المفتى أيضا يقول لهم هذا الكلام بالتوثيق يعنى التأكيد، فكان هناك أدوار من التعاون فيما بيننا لعطاء أفضل، فاعطينا بصورتين من خلال بلاغة الحديث فى مواجهة الأيدز فكان له واقع وتأثير، وأيضاً من خلال اجتماعنا بعضنا مع بعض، لأنهم يقولون لو لم يكن الأمر هاماً لما استطاع هؤلاء أن يوحدوا أنفسهم، بالإضافة إلى المحاضرات التى كنا نقيمها معاً فى الكنيسة أو فى حرم المسجد مثلاً معاً. خذ مثلا فى دومر "مشروع دومر فى دمشق" أنا والأب طاهر معاً، ومع نخبة من المثقفين، حضر كثير من المصلين بالمسجد، وأيضا عندما زارنى فى المجمع الإسلامى الذى أعمل به، مجمع "كفتارو" فقد كان له أيضا دور كبير. بالإضافة إلى صور أخرى إعلامية كبعض البرامج الإذاعية، أو التليفازية التى تشاركنا فيها معاً، أشكر الله سبحانه وتعالى على هذه المكرمة التى أكرمنا الله بها من التعلم والتواصل مع كل الأطياف. حتى الجانب الصحى كان هذا الشىء يلفت انتباه الأطباء عندما يرون علماء الدين متحدين فى مواجهة فيروس الأيدز.

في الختام، هل تود أن تطرح على نفسك سؤال ما لم أطرحه عليك؟

ماذا تتمنى على الشارع العربى؟ على الشباب؟ طبعا بصراحة أنا أشعر أن شبابنا هم واجهة المستقبل، وأنا أحرص على تعلم لغة الشباب هؤلاء الذين قد يظلموا فى بعض الأحيان، فكما قال سيدنا على كرم الله وجهه: "لا تكرهوا أبنائكم على أخلاقكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، لا شك بأن الإنسان يجب أن يتنبه إلى هؤلاء وما يدور حولهم، وأن نشعر بحرص على ضرورة منح هؤلاء جزء كبير من وقتنا وجهدنا حتى يستطيعوا عندما يصبحوا فى دورنا أن يقوموا بدور أفضل مع الأجيال التى بعدهم. وأنا أتمنى على كل من يحمل هذه الرسالة الإيمانية أن يحملها بشغف ومحبة، وأن يتذكر دائماً بأن الله سبحانه وتعالى أرسلنا رحمة للناس، وأننا ما لم نبنى جنة الأرض فلن نكافأ يوم القيامة بجنة السماء، وأن الله هو الرحيم بعباده، المحب لخلقه، وكما قال عليه الصلاة والسلام : "أحب الخلق إلى الله من حبب الله إلى خلقه وحببهم إليه"، يعنى يجب أن نكون هذه الصلة الوصل ما بين الله وما بين الناس فنسعى بكل قوة إلى أن نحول كل إنسان إلى داعية وليس فقط الذى يلبس العمامة أو الذى يدرس العلوم الشرعية. كل إنسان يبدأ من بيته ومروراً فى وسائل التربية بالمدارس والجامعات وانتهاءً بالمجتمع بكل أفراده.

طالع أيضاً:

السيرة الذاتية للدكتور علاء الحموي

الشيخ هاشم الحكيم: من العداء والتشدد إلى القبول والتجاوب الفعال

الأب إليان وهبة: جهود هارباس للتجاوب مع الأيدز زادت من اللحمة بين المسلمين والمسيحيين

 

 
Powered by JNAsoft
خريطة الموقع | اتصل بنا | أرقام وحقائق